عن العيد: بين الإسلام وعلم الأنثروبولوجيا. الحلقة (1) / أحمد سالم عابدين

ـ هذه الحلقات موجهة أساسا للباحثين في العلوم الإنسانية.

1 ـ العيد ظاهرة ثقافية، اجتماعية، عابرة للثقافات. كل ثقافات العالم تشهد هذه الظاهرة؛ ونريد هنا أن نقوم بمقاربة فلسفة إسلامية حول العيد لنعرف خصوصية ديننا في هذا المجال ونقارنها بما توصلت إليه العلوم الإنسانية في هذا المجال وخاصة الأنثروبولوجيا:

ـ تشترك مع العيد في بعض النقاط المعرِّفَةِ له بعض المفاهيم الأخرى كمفهوم "العطلة" لكن للعيد خصوصيات لا يتوفر عليها غيره ومنها:

ـ ميزة العيد الأساسية هي أنه "انكسار لروتين الحياة وزمن الناس اليومي: أعمالهم، أسواقهم، نمط عيشهم... زمن العيد هو زمن التعليق: تعليق النُّظُم والقوانين ليحل محلها انقطاع عن تلك الأعمال وانقلاب شرعي على المأمورات والمحظورات".

2 ـ لم يلقى موضوع العيد في الأنثروبولوجيا إلا اهتماما جزئيا، وعادة مرتبط باهتمام أكبر، من طرف أهم الأنثروبولوجيين الذين تناولوه (جيمس فريزر، روجيه كايوا، كليفور غيرتز، عبد الله حمودي...). من أهم التعريفات الأنثروبولوجية للعيد تعريف روجيه كايوا: "العيد انتهاك طقوسي جماعي، اجتماعي، شرعي، للمحظورات".

3 ـ لابد من توافر عدة شروط لكي يصبح حدث ما عيدا:

ـ الانتهاك: الذي يعني العمد إلى اقتحام المحرمات.

ـ الطقس: أي أن الانتهاك لا يكون بشكل عشوائي أو اختيارا فرديا، بل لابد فيه من "قواعد طقسية" متفق عليها لدى ثقافة معينة.

ـ صفة الجماعية: لا يعد انتهاك الأفراد الطقسي وحدهم عيدا، إن صفة الاجتماعية هي التي تضفي الطابع الثقافي على الانتهاك، كما أن قيام جماعة من الناس بالانتهاك لا يمثل عيدا ما لم يكن مصادق عليه اجتماعيا وثقافيا.

ـ الإطار "الشرعي": الذي يعطي العيدَ طبيعته المقبولة، فالانتهاك عادة (في غير أيام العيد) مخالفٌ للقواعد الشرعية التي تُسَيِّر الحياة الاجتماعية والفردية، لكن هذه الشرعية نفسها هي التي تتيح إمكانية خرقها في العيد.

4ـ يمكن أن نضيف بعض الميزات العامة للأعياد عبر الثقافات:

ـ الروح الاحتفالية: التي تميز الانتهاك، فزمن العيد هو زمن الاحتفال بامتياز، الاحتفال الانتهاكي الذي لا يبقى عنه أحد.

ـ الطبيعة الاسرافية: التي تجعل من الإسراف والتبذير (الممنوعين عادة) شيئا مرغوبا، بل مطلوبا (وأحيانا مُلْزِماً) في الأعياد.

ـ التَّفَلُّت الاجتماعي: الذي يصاحب مظاهر الانتهاك، وهو تفلت تفرضه الممارسة العيدية حيث يتم دفعه إلى أقصى الحدود وحتى لا يبقى محظورا إلا وقد تم انتهاكه، فبدون ذلك لا يتحقق العيد، فالعيد هو زمن "كسر القيود".

ـ "الاستذكار الاجتماعي": وهو يعني أن كل عيد هو عودة رمزية (حقيقية في تمثل بعض الثقافات) لواقعة أو حدث مؤسِّس كان وراء بعض المظاهر الإيجابية في الحياة الحالية. إن الغرض من هذا الاستذكار هو ضمان تثبيت هذه الواقعة أو استرجاع أخرى انقرضت أو تثبيت ثالثة أصبح يتهدَّدُها الاندثار.

 

يتواصل...

خميس, 06/05/2021 - 14:31

          ​