على ماذا استند داعش "شرعيا" في حرق الكساسبة؟

نشر تنظيم "داعش"، أمس الثلاثاء، فيديو لعملية إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقا، وسارعت الدول والمؤسسات الدينية المختلفة لإدانة الحادثة، والتي أكدت أن الإسلام ونبيه رفضا الحرق كعقاب، واستندت أغلب الردود إلى موقف روي في سنن أبي داود عن عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه قال: (كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سفر ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار).

لكن داعش والمواقع التكفيرية سرعان ما بدأت في نشر الاستنادات الشرعية التي اعتمدوا عليها في إعدام الكساسبة حرقا، والتي أصلوها من تأويلات واجتهاد وأفعال بعض الصحابة، كما ساقتها إليهم كتب التراث.

فماذا قال داعش؟

قال التنظيم في فتواه، التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، إن "الحافظ ابن حجر" قال: "يدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي أعين العرنيين بالحديد المحمي، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسًا من أهل الردة"، وعلى الرغم من أن الحافظ ابن حجر من الشخصيات المكروهة لدى التنظيمات التكفيرية والسلفية، لأن من العلماء الذين ردوا على ابن تيمية، إلا أنه "للضرورة أحكام".

لم يكونوا الأوائل

في بحث طويل نشرته جامعة أم القوى السعودية، للدكتور أحمد بن ناصر الغامدي، بعنوان "التحريق بالنار"، نقل قول العلماء بأنه لا يجوز تحريق الأعداء بعد القدرة عليهم، وأما قبل ذلك وفي أثناء المعركة فقد اختلفوا في التحريق على أقوال:

- كره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا، سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصا، ويروى عن مالك:  قال ابن قدامة: (أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه، وقد كان أبو بكر الصديق – رضي الله عنه- يأمر بتحريق أهل الردة، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره، فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا، فأما حرقهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها، لأنهم في معنى المقدور عليه، وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم)، ثم ذكر قول عبدالله بن قيس: لم يزل أمر الناس على هذا.

- أجاز ذلك سفيان الثوري، وأجازه علي، وخالد بن الوليد، وغيرهما.

- قال بعضهم: إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا.. وبهذا الرأي أخذ داعش.

وختم الغامدي دراسته بقوله "إن التحريق بالنار لا يجوز إلا من السلطان إذا رأى المصلحة تقتضي ذلك نكاية أو معاملة بالمثل، أو لمن فعل أمرا منكرا، والشجر كذلك، وأما الحيوان فلا يفعل به ذلك، لأنه مثلة وتعذيب بلا فائدة، إلا إذا استعمله الكفار في العدوان على المسلمين، ولم يوجد بدٌ من التحريق".

تأصيل الرأي الداعشي

سرعان ما خرجت "وكالة الأنباء الإسلامية – حق"، عبر موقعها الرسمي لتنشر تأصيلا أكثر قوة لما فعله داعش، فنشرت دراسة طويلة للشيخ حسين بن محمود، عنوانها "بل لكم في الحرق سلف دراسة شرعية تبين قيام الخلفاء الراشدين والصحابة بحرق أعداء الدين بالنار".

بدأها بن محمود بقوله بمنتهى الوضوح "ﻴﻌجب ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ من ﺃﻧﺎﺱ ﻳﺨﺮجوﻥ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﺷﺎﺕ ﺍﻟﺘﻠﻔﺎﺯ ﻟﻴُﻔتوﺍ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭيدﻋون ﺍﻹﺟﻤﺎﻉ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺃﻇﻬﺮ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗﺨﻔﻰ ﻋﻠﻰ ﻃﻮﻳﻠﺐ ﺍﻟﻌﻠﻢ... فيدعي ﺃﺣﺪﻫﻢ؛ ﺑﺄﻥ ﺣﺮﻕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻻ ﻳﻘﺮﻩ ﺩﻳﻦ ﻭﻻ ﺷﺮﻉ ﻭﻻ ﻋﻘﻞ! ﻫﻜﺬﺍ، ﻭﺑﻜﻞ ﺑﺴﺎﻃﺔ ﻳﻔﺘﺄﺗﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

الممثالة

ثم استند بن محمود إلى الرأي الثالث من الدراسة السابقة، وهو "الممثالة" كما تسميها داعش، بأن العدو هو من بدأ بالفعل فيردوا عليه بمثله، فقال "ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻭﺍﻷﺧﺒﺎﺭ ﺇﻻ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" ‏[ﺍﻟﻨﺤﻞ: 126 ‏] ﻟﻜﻔﻰ، ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻘﻨﺎﺑﻞ ﺍﻟﻌﻨﻘﻮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺼﻮﺍﺭﻳﺦ ﺍﻟﺜﻘﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺸﻌّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻘﻬﺎ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﺃﻟﻴﺴﺖ ﺣﺎﺭﻗﺔ! ﺃﻻ ﺗﺤﺮﻕ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ﻭﺗﻘﻄّﻊ ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ ﻭﺗﻬﺸّﻢ ﺍﻟﺮﺅﻭﺱ! ﻓﻠﻤﺎﺫﺍ ﻻ ﻳﻌﺎﻣﻠﻬﻢ ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻭﻥ ﺑﺎﻟﻤﺜﻞ".

مواقف الصحابة

ثم شرع في عرض بعض المواقف التي اعتمد فيها الصحابة الحرق، ومنها حرق علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لمن غالوا فيه وقالوا "إنه الله"، وكذلك حرق خالد بن الوليد، رضي الله عنه، لمالك بن نويرة بعد أن تابع سجاح، مدعية النبوة، ومنعه الزكاة.

وعلق على موقف خالد بقوله "ﺳﻴﻒ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺑﻲ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﺳﺘﺎﺫ ﻓﻦ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻗﻴّﻢ ﻣﺪﺭﺳﺘﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻨﺒﻲ، ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ ﺻﻮﻻﺕ ﻭﺟﻮﻻﺕ ﺗﺤﻜﻲ ﺧﺒﺮﺗﻪ ﺍﻟﻌﺠﻴﺒﺔ ﻭﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺑﺄﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ".

واختتم دراسته بالقول الذي نقله داعش من فتح الباري عن المهلب أنه قال (ﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻬﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﻢ ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺘﻮﺍﺿﻊ، ﻭﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺟﻮﺍﺯ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﻖ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﻭﻗﺪ ﺳﻤﻞ ﺍﻟﻨﺒﻲ، ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﺃﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺮﻧﻴﻴﻦ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﺤﻤﻲ، ﻭﻗﺪ ﺣﺮﻕ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺍﻟﺒﻐﺎﺓ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﺑﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﻭﺣﺮﻕ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﻧﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺮﺩﺓ، ﻭﺃﻛﺜﺮ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻳﺠﻴﺰﻭﻥ ﺗﺤﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﺼﻮﻥ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻛﺐ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻠﻬﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ ﻭﺍﻷﻭﺯﺍﻋﻲ‏).

خميس, 05/02/2015 - 11:21

          ​