موريتانا: توازنات الأمن والإصلاح وطموح التغيير وحسابات الاستمرارية

في نواكشوط، لا تُقاس السياسة بصخب الشوارع ولا بعناوين الأزمات الحادة، تُقاس بهدوء ذكي، وبحسابات دقيقة تُدار خلف الأبواب الموصدة.
موريتانيا اليوم ليست بلداً على حافة الانفجار، لكنها أيضاً ليست في لحظة يقين كامل: فبين إنجازات أمنية يقرّ بها شركاؤها الإقليميون، وعلاقات خارجية متوازنة جنّبتها كثيراً من ارتدادات المحيط المضطرب، تتشكل معادلة حكم تبدو مستقرة في ظاهرها، لكنها مثقلة بأسئلة داخلية لم تُحسم بعد.
منذ انتقال السلطة عام 2019، بين جنرالين متقاعدين (عزيز وغزواني) وما تبعه من إعادة انتخاب شبه توريثية لولد الغزواني في ولاية ثانية عام 2024، ترسّخت عن موريتانيا صورة استثناء نسبي في فضاء الساحل وغرب أفريقيا؛ فلا انقلابات عسكرية جديدة، ولا انهيارات أمنية كتلك التي عصفت بدول مجاورة.
وفي محيط يمتد من أزمات مالي إلى ارتدادات ملف الصحراء، اختارت نواكشوط نهج التوازن: شراكات متعددة، وخطاب دبلوماسي هادئ، وتجنب الاصطفاف الحاد.
غير أن هذا النجاح في إدارة الخارج لا يُخفي نقاشاً داخلياً يتنامى حول وتيرة الإصلاح، وجدوى الحوار السياسي، وحدود الاستمرارية.

الأسئلة المحيرة

ففي مقابل الاستقرار الأمني، تتسع فجوة الثقة بين الخطاب الرسمي وتطلعات جزء من الرأي العام؛ وتُطرح أسئلة حول عمق الإصلاحات البنيوية، وحول قدرة النظام على تجديد نخبته وآلياته، لا مجرد الاكتفاء بإدارة التوازنات القائمة.
وبين من يرى في النهج الحالي ضمانة للاستقرار في بيئة إقليمية ضاغطة، ومن يعتبره تأجيلاً لتحولات ضرورية، تبدو البلاد أمام لحظة اختبار هادئة: كيف يمكن الجمع بين الأمن والإصلاح؟ وبين طموح التغيير وحسابات الاستمرارية؟

الرقصة المتثاقلة

وليس المشهد الموريتاني درامياً، بل هو أقرب إلى رقصة بطيئة على حافة تحولات كبرى في الإقليم؛ وكلما اشتدت النيران على الحدود، ازداد ثقل الأسئلة في الداخل؛ وفي هذا الفاصل الدقيق بين الاطمئنان الحذر والقلق الصامت، تُكتب المرحلة الجديدة من القصة الموريتانية.
وتبدو موريتانيا اليوم بلداً مستقراً في محيط إقليمي شديد الاضطراب، لكنها في الوقت ذاته تعيش حالة قلق سياسي صامت لا يطفو كثيراً على السطح.
فبين ساحل أفريقي تتنازعه الانقلابات والجماعات المسلحة، ومغرب عربي مثقل بأزماته الاقتصادية والسياسية، نجحت نواكشوط في الحفاظ على حد أدنى من التوازن، مجنّبة نفسها هزات عنيفة شهدها جوارها المباشر.
الجيش والسلطة

منذ انقلاب 2008، دخلت البلاد مرحلة مختلفة قوامها إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية؛ وشكل انتقال السلطة عام 2019، حين سلّم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز الحكم إلى خلفه المنتخب محمد ولد الشيخ الغزواني، محطة وُصفت آنذاك بأنها سابقة في تاريخ البلاد الحديث.
ثم جاءت إعادة انتخاب الرئيس عام 2024 لتكرّس صورة الاستمرارية والاستقرار المؤسساتي.
غير أن هذا الانتقال لم يُنهِ الجدل حول طبيعة النظام السياسي وحدود تأثير المؤسسة العسكرية في دوائر القرار.
ويرى البعض أن هذا النموذج، القائم على تداول محدود داخل نفس الدائرة، وفّر استقراراً جنّب البلاد مصير جيرانها في الساحل؛ في حين يعتبر آخرون أن استمرار النخبة ذاتها في إدارة الحكم، ولو بأدوات انتخابية، يطرح سؤالاً حول مدى تجدد الحياة السياسية وفتح المجال أمام قوى مدنية مستقلة.
ولا يخلو عامل الاستقرار الذي يتحجج به دعاة التغيير في ظل الاستقرار، من شعور عام بالركود السياسي؛ فالحياة الحزبية لم تشهد تحولات نوعية، والمعارضة لم تتمكن من إحداث اختراق واسع، بينما تبدو السلطة متمسكة بإيقاع بطيء للإصلاح؛ وهكذا تقف موريتانيا عند تقاطع دقيق: بلد نجح في تجنب الفوضى، لكنه لم يحسم بعد مسار تحديثه السياسي والاقتصادي.

الاستمرارية أم فرصة التصحيح؟

تأتي الولاية الثانية آخر مأمورية رئاسية للرئيس محمد ولد الغزواني في سياق داخلي وإقليمي معقد؛ فالعهدة الأولى (2019–2024) تزامنت مع جائحة كورونا، وما تبعها من انكماش اقتصادي عالمي، ثم تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية؛ وهي عوامل يرى أنصار النظام أنها قيّدت هامش الحركة وأثرت على وتيرة الإنجاز.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو الرئيس أن البلاد حافظت على استقرارها الأمني، وعززت علاقاتها الخارجية، ووسعت برامج الحماية الاجتماعية، خاصة للفئات الهشة؛ كما يشيرون إلى تحسن صورة موريتانيا كشريك موثوق في ملفات الأمن والهجرة والطاقة.
أما خصوم الغزواني، فيرون أن الظرفية الصعبة لا تبرر بطء الإصلاحات البنيوية، ولا استمرار نفس النخبة في مواقع القرار؛ ويعتبر هؤلاء وهم من عدة أطياف سياسية وعرقية، أن التنمية ظلت محدودة الأثر، وأن محاربة الفساد لم تبلغ مستوى القطيعة المطلوبة.
وبين هذين التقييمين، تقف الولاية الثانية باعتبارها الأخيرة دستورياً، ما يمنحها طابعاً مختلفاً: هل ستكون امتداداً لنهج حذر قائم على الاستقرار، أم فرصة لإطلاق إصلاحات أعمق تترك بصمة واضحة قبل 2029؟

الحصيلة والرهان

في بيانه أمام البرلمان، عرض الوزير الأول مختار ولد أجاي حصيلة عمل الحكومة وآفاقها لعام 2026، مركّزاً على النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز الحماية الاجتماعية؛ وتحدث عن مؤشرات إيجابية في بعض القطاعات، خاصة الطاقة والبنية التحتية.
وعكس هذا الخطاب الرسمي طموحاً لتثبيت مسار تنموي تدريجي، قائم على استغلال الموارد الطبيعية وتحسين مناخ الأعمال؛ غير أن فجوة الثقة بين الخطاب والشارع لا تزال قائمة: فالمواطن العادي يقيس الأداء بمدى انعكاسه المباشر على مستوى المعيشة، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتحديات البطالة.
ويجمع مراقبون على أن التحدي لم يعد في صياغة البرامج، بل في ضمان تنفيذها بفعالية وشفافية؛ فالتخطيط حاضر، لكن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة تعيد الثقة في قدرة الدولة على إحداث تغيير تدريجي ومستدام.

ملف العشرية

سياسيًا وإعلاميًا، يتواصل تأثير ملف «العشرية»، على المشهد الداخلي الموريتاني لاشتماله على أول مساءلة رموز حكم سابق، في خطوة اعتبرها أنصار النظام الحالي تحولًا تاريخيًا نحو تكريس دولة القانون، بينما رأت فيها أطراف معارضة اختبارًا حاسمًا لمدى جدية السلطة في تفكيك شبكات الفساد لا الاكتفاء بإعادة ترتيبها.
وفي قلب هذا الجدل يقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي تعهد منذ وصوله إلى الحكم عام 2019 بإدارة «إصلاح هادئ» يوازن بين الاستقرار السياسي ومحاربة الفساد؛ غير أن مسار المحاكمات، والجدل المتصاعد حول حرية المبلغين عن الفساد، أعادا طرح سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المرحلة: هل مثلت محاكمة العشرية قطيعة فعلية مع ماضي الإفلات من العقاب، أم أنها محطة في سياق إعادة تشكيل التوازنات داخل السلطة؟

استشراء الفساد

يبقى ملف الفساد والمحسوبية أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الداخلي الموريتاني؛ فرغم الخطاب الرسمي المتكرر حول تعزيز الشفافية، يرى مراقبون أن مظاهر الوساطة والعلاقات الشخصية ما تزال تؤثر في التعيينات والصفقات العمومية.
وتنتشر قناعة في أوساط واسعة بأن أجهزة الرقابة لم تبلغ بعد مستوى الاستقلال والفعالية الكافيين لردع التجاوزات بشكل حاسم؛ كما أن بعض ملفات الفساد، وإن فُتحت، لم تفضِ دائماً إلى محاسبة واضحة، ما ينعكس على صورة النظام داخلياً وخارجياً.
ولا يتعلق الأمر فقط بالخسائر المالية، بل بثقة المواطن في مؤسساته؛ فاستمرار الانطباع بوجود «إدارة تسير بالعلاقات» أكثر من كونها «إدارة مؤسسات» يضعف الحماس الشعبي لأي إصلاحات اقتصادية، ويغذي سرديات المعارضة حول محدودية التغيير.
ويظل ملف الفساد التحدي الأكثر تداولاً في الخطاب السياسي المعارض في موريتانيا؛ فمنذ سنوات، تضاعفت الميزانية العامة للدولة، حسب تأكيدات نواب المعارضة، بأرقام لافتة مدفوعة بارتفاع عائدات المعادن والصيد، وبالتوقعات المرتبطة باستغلال الغاز.
غير أن معارضين يرون أن هذا التضخم في الموارد لم ينعكس بالقدر الكافي على حياة المواطنين، خاصة في مجالات التشغيل وتحسين القدرة الشرائية والبنية التحتية الأساسية.
وفي المقابل، تشير الحكومة إلى برامج اجتماعية موسعة، ودعم مباشر للفئات الهشة، ومشاريع طرق ومياه وكهرباء في عدة ولايات؛ غير أن فجوة الثقة تبقى قائمة، إذ يتساءل مراقبون عن فعالية الإنفاق العمومي وآليات الرقابة والشفافية في الصفقات الكبرى.

ما ذا عن الخدمات؟

تنعكس هذه الإشكالات مجتمعة على قطاعات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم؛ فالمؤشرات الكمية تحسنت في بعض المجالات، مثل التغطية المدرسية وبناء المراكز الصحية، لكن جودة الخدمات تبقى محل انتقاد.
وفي قطاع التعليم، يشكو أولياء أمور من اكتظاظ الفصول وضعف التكوين المستمر للمدرسين، فيما تسجل نسب تسرب مدرسي مرتفعة في بعض المناطق الريفية.
وفي الصحة، ورغم توسع شبكة المنشآت، يظل نقص الكوادر والتجهيزات المتخصصة عائقاً أمام تحسين الرعاية، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن العلاج خارج البلاد عند القدرة.

التعايش
والهشاشة

رغم مظاهر التعايش اليومي، يبقى ملف الوحدة الوطنية من القضايا غير المغلقة. فالتناقض التاريخي بين المكون العربي والمكون الزنجي للشعب الموريتاني ما يزال يلقي بظلاله، خاصة مع استحضار أحداث 1989 وما ترتب عليها من حساسيات.
وفي المشهد الداخلي الموريتاني، تبدو بعض الملفات وكأنها تعبر الزمن بدون أن تفقد حساسيتها؛ فملف الرق، رغم تجريمه قانونياً منذ سنوات وتعزيز الترسانة القانونية لمحاربته، لا يزال حاضراً في النقاش العام بوصفه قضية اجتماعية أكثر منه مجرد مخالفة قانونية.
وترى منظمات حقوقية أن بقايا البنية الاجتماعية التقليدية ما زالت تُنتج أشكالاً من التبعية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الأرياف والمناطق الهشة، فيما تؤكد السلطات أنها قطعت أشواطاً مهمة عبر إنشاء محاكم متخصصة وتبني سياسات إدماج.
وبين الروايتين، يظل السؤال مطروحاً حول قدرة المقاربة القانونية وحدها على معالجة إرث تاريخي معقد، يتداخل فيه الاجتماعي بالاقتصادي والثقافي.
كما يظل ملف الإرث الإنساني، وتداعياته الاجتماعية والسياسية، حاضرين في الخطاب العام. وتستثمر بعض أطراف المعارضة هذه القضايا للضغط على النظام، معتبرة أن معالجتها لم تبلغ مستوى المصالحة الشاملة.
في المقابل، تؤكد السلطة أنها اتخذت خطوات في مجال تجريم الرق وتعزيز التعايش، غير أن التحدي يكمن في تحويل النصوص القانونية إلى واقع اجتماعي ملموس، يبدد الشكوك ويعزز شعور جميع المكونات بالانتماء المتساوي.

حوار مؤجل

أعلن النظام عن حوار سياسي وطني شامل ومفتوح، لا يقصي أحدا، وبدأت تحضيراته، غير أن إطلاقه تأخر، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول أولوياته وسقفه.
وزاد الجدل حول إمكانية تعديل المواد الدستورية المتعلقة بعدد المأموريات من تعقيد المشهد.
يرى بعض المراقبين أن طرح المأمورية الثالثة لا يعدو كونه مبادرة هامشية، بينما يعتبر آخرون أنه اختبار حقيقي للنيات بشأن مستقبل التداول على السلطة.
وقد انعكس هذا النقاش على صورة النظام، داخلياً وخارجياً، في ظل تأكيدات رسمية سابقة باحترام النص الدستوري.
يبقى سؤال 2029 حاضراً بقوة: هل سيكرّس الحوار مناخاً سياسياً أكثر انفتاحاً، أم يتحول إلى ساحة لتجاذبات جديدة تزيد من الغموض؟

من مالي إلى الصحراء

وعلى مستوى المحيط الإقليمي، تجد موريتانيا نفسها محاطة بأزمات معقدة؛ ففي مالي، يتواصل نشاط الجماعات الجهادية، إلى جانب مطالبة الطوارق بحقوقهم وتقرير مصيرهم، ما أدى إلى تدفق لاجئين نحو الشرق الموريتاني، مع ما يحمله ذلك من أعباء إنسانية وأمنية.
وفي الشمال، عاد ملف الصحراء إلى الواجهة بمساعٍ أمريكية تضغط نحو حل يقوم على صيغة الحكم الذاتي، ما يضع نواكشوط أمام تحدي الحفاظ على توازنها الدبلوماسي التقليدي بين الأطراف.
وبفعل هذه الضغوط الإقليمية أصبح الاستقرار الداخلي أكثر هشاشة، إذ يرتبط الأمن بالاقتصاد، وترتبط السياسة الداخلية بحسابات الجغرافيا المعقدة.

معادلة التوريث

شكل انتقال السلطة عام 2019 نموذجاً خاصاً في السياق الموريتاني. واليوم يطرح السؤال نفسه: هل ستنهي الولاية الحالية دورة إعادة إنتاج الحكم من داخل المؤسسة العسكرية؟
ثمة من يرى أن استمرار هذا النموذج يضمن لموريتانيا الاستقرار في منطقة مضطربة، بينما يعتبر آخرون أنه يؤخر بناء مسار مدني ديمقراطي مكتمل.
وبين احتمال دعم مرشح مدني مستقل، أو استمرار النفوذ التقليدي للمؤسسة العسكرية، تبدو انتخابات 2029 محطة حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

استقرار بلا حسم

ليست موريتانيا في أزمة مفتوحة، لكنها أيضاً ليست في لحظة حسم؛ فهي تعيش استقراراً سياسياً بلا حيوية كبيرة، وإصلاحات دون قطيعة جذرية مع الماضي، وأمناً دون يقين طويل الأمد.
وستحدد السنوات القليلة المقبلة، وصولاً إلى 2029، ما إذا كانت البلاد ستتجه نحو تعميق مسار مدني ديمقراطي فعلي، أم ستكتفي باستقرار مُدار يحافظ على التوازنات دون تغيير جذري. والسؤال الذي يلوح في الأفق يبقى مفتوحاً: أي طريق ستختار نواكشوط؟
في المحصلة، فإن موريتانيا تواجه تحديات بنيوية متراكمة؛ فبين إرث اجتماعي معقد، ونقاش دائم حول الفساد والحكامة، وتساؤلات بشأن طبيعة التوازن بين المدني والعسكري في إدارة السلطة، يتشكل مشهد داخلي يتسم بالهدوء الظاهري والتوتر الكامن.
ولن يكون الرهان في السنوات المقبلة مقتصرا فقط على مضاعفة الأرقام في الموازنات أو تثبيت الاستقرار الأمني، بل على قدرة الدولة على تحويل الموارد والشرعية الانتخابية إلى إصلاحات ملموسة تعزز الثقة وتُشعر المواطن بأن التحول لا يُدار من أعلى فحسب، بل ينعكس فعلياً على تفاصيل حياته اليومية.

عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»

أحد, 22/02/2026 - 11:18

          ​