
أعلنت السلطات الموريتانية وصندوق النقد الدولي التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن استكمال آخر مراجعات البرنامج الاقتصادي الحالي، وإطلاق برنامج جديد يمتد لـ42 شهرًا، بقيمة إجمالية تقارب 88.2 مليون دولار، إلى جانب تمويلات إضافية ضمن آلية الصلابة والاستدامة.
الاتفاق، في ظاهره، يمثل استمرارية في الشراكة مع المؤسسة المالية الدولية، لكنه في جوهره يعكس تحوّلًا في طبيعة التحديات: من إدارة التوازنات الكلية إلى اختبار قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، خاصة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والطلب العالمي.
اقتصاديًا، تشير المعطيات إلى أداء مستقر نسبيًا، مع نمو بلغ 4% في 2025، وتوقعات ببلوغه 4.8% في 2026، مدفوعًا أساسًا بالقطاع الاستخراجي. غير أن هذا النمو يخفي هشاشة بنيوية، أبرزها تباطؤ القطاعات غير الاستخراجية، ما يعيد طرح سؤال تنويع الاقتصاد، وقدرته على خلق قيمة مضافة خارج الموارد الطبيعية.
من زاوية السياسات، يضغط الصندوق باتجاه إصلاحات أكثر عمقًا: تقنين القاعدة المالية، مرونة سعر الصرف، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية. وهي توصيات تعكس قناعة بأن الاستقرار الحالي ليس كافيًا، بل يحتاج إلى أدوات امتصاص صدمات أكثر ديناميكية.
اجتماعيًا، يبرز توسيع التحويلات النقدية لأكثر من 124 ألف أسرة هشة كاستجابة سريعة للأزمة، لكنه يطرح بدوره معضلة الاستدامة: هل نحن أمام سياسة حماية اجتماعية مؤقتة، أم نواة لنظام دعم دائم يعيد توزيع أثر النمو؟
أما على مستوى الحوكمة، فيُعد تفعيل هيئة مكافحة الفساد، وإلزامية التصريح بالممتلكات، مؤشرات على توجه إصلاحي، لكن فعاليتها ستظل رهينة بالإرادة السياسية وقدرة المؤسسات على التنفيذ، لا مجرد سنّ النصوص.
في المحصلة، لا يبدو البرنامج الجديد مجرد حزمة تمويل، بل إطار لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والاقتصاد: من دولة تدير الموارد، إلى دولة تُنظّم وتُحفّز. والسؤال الجوهري: هل تمتلك موريتانيا ما يكفي من الانضباط المؤسسي لتحويل هذا الاتفاق إلى فرصة تحول، أم أنه سيظل مجرد محطة أخرى في مسار التكيّف مع الأزمات؟











