بين الأمن والهجرة… موريتانيا ترسم معادلتها الخاصة بالاستقرار الإقليمي ومعالجة الهجرة من بوابة التعاون والشراكة المتوازنة
«القدس العربي»: أعادت موريتانيا التأكيد على ثوابت مقاربتها الإقليمية على أن مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة لا تكون فعالة إلا عبر تعاون جماعي يحترم سيادة الدول، وعلى أن إدارة الهجرة ينبغي أن تقوم على الشراكة المتوازنة لا على نقل الأعباء.
وجاء تأطير هذه المقاربة في لحظة تشهد فيها منطقة الساحل وغرب إفريقيا تصاعداً في التهديدات الأمنية وتزايداً في الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية.
ومن هذا المنطلق، حملت مواقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، التي انعقدت أمس في سيراليون وتصريحات وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك بشأن السياسة المتبعة في موريتانيا في ملف الهجرة، رسائل متكاملة تعكس رؤية نواكشوط لمعادلة الأمن والسيادة في محيط إقليمي سريع التحول. ويبدو أن موريتانيا تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة في مقاربتها الأمنية والدبلوماسية، قوامها أن الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية، وأن الهجرة قضية سيادية وإنسانية لا يمكن اختزالها في حماية حدود الآخرين.
وفي عرض أمام قادة دول غرب إفريقيا المجتمعين في مدينة لونغي بسيراليون، شدد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني على أن نجاح أي مشروع تكاملي لا يقاس فقط بوجود المؤسسات والاتفاقيات، بل بقدرة الدول على توفير الأمن والاستقرار، باعتبارهما الشرط الأول لتحقيق التنمية والاندماج الاقتصادي.
ودعا الرئيس الموريتاني إلى توحيد الجهود الإقليمية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود ومختلف أشكال النزاعات، محذراً من أن استمرار هذه التهديدات من شأنه تقويض مسار التكامل في غرب إفريقيا.
كما أكد أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف الآليات الأمنية القائمة، مثل مسار نواكشوط، ومبادرة أكرا، ونظام الإنذار المبكر للإيكواس، ضمن مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية والحوكمة والاندماج الاقتصادي، باعتبار أن معالجة جذور الأزمات لا تقل أهمية عن مواجهتها أمنياً.
وحمل خطاب ولد الغزواني أيضاً رسالة سياسية مفادها أن مستقبل غرب إفريقيا لن يُبنى إلا بالحوار والتعاون والعمل الجماعي، مؤكداً التزام موريتانيا بمواصلة العمل مع شركائها من أجل بناء إفريقيا أكثر سيادة واستقراراً وازدهاراً، تقوم على احترام التنوع والتضامن بين شعوبها.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح ينسجم مع السياسة الخارجية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، والتي ركزت على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، مع الانخراط في المبادرات الأمنية الإقليمية دون الانضمام إلى التكتلات العسكرية الجديدة التي تشهدها المنطقة.
وفي السياق ذاته، جاءت تصريحات وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك لتوضح جانباً آخر من الرؤية الموريتانية للأمن، هذه المرة من زاوية الهجرة غير النظامية.
فقد أكد الوزير أن موريتانيا ترفض أن تتحول إلى «حرس حدود» لأوروبا، رغم علاقاتها الجيدة مع الاتحاد الأوروبي، موضحاً أن البلاد تتعامل مع ملف الهجرة وفق مقاربة توازن بين تطبيق القانون واحترام البعد الإنساني. وأشار إلى أن موريتانيا تعد في الوقت نفسه بلد عبور واستقبال ووجهة للمهاجرين، وهو ما يفرض سياسات متوازنة تمنع استغلال أراضيها من قبل شبكات تهريب البشر، دون التخلي عن التزاماتها الإنسانية تجاه المهاجرين النظاميين واللاجئين.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الجدل الذي أثاره الإعلان المشترك الموقع بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي في آذار / مارس 2024 بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية ودعم استضافة اللاجئين.
ففي حين اعتبرت أطراف سياسية ومنظمات مدنية أن الاتفاق قد يحول موريتانيا إلى منطقة لاحتواء المهاجرين، أكدت الحكومة مراراً أن الاتفاق لا ينتقص من السيادة الوطنية، وأن البلاد لن تكون وطناً بديلاً للمهاجرين غير النظاميين، بل ستواصل تطبيق قوانينها بما يحفظ مصالحها وأمنها.
تكشف مواقف الرئيس الموريتاني ووزير خارجيته عن استراتيجية موريتانية تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية، أولها تعزيز التعاون الإقليمي باعتباره السبيل الأكثر فاعلية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، والثاني ربط الأمن بالتنمية والحوكمة، انطلاقاً من أن معالجة أسباب الهشاشة تقلل من فرص تمدد الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب، بينما يقوم المرتكز الثالث على التمسك بالسيادة الوطنية في إدارة ملف الهجرة، مع الحفاظ على الشراكات الدولية دون القبول بأدوار تتعارض مع المصالح الوطنية. وفي ظل التحولات الأمنية والسياسية التي تعرفها منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تحاول موريتانيا ترسيخ صورة الدولة التي تجمع بين الانخراط في الجهد الإقليمي لمكافحة التهديدات المشتركة، والدفاع عن استقلال قرارها السيادي في الملفات الحساسة، وعلى رأسها الهجرة؛ وهي مقاربة تراهن على أن الأمن الدائم لا يتحقق بالإجراءات العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى التنمية، والحوار، والتعاون المتوازن بين دول المنطقة وشركائها الدوليين.
وتعكس هذه المواقف حرص موريتانيا على ترسيخ سياسة خارجية تجمع بين الانخراط الفاعل في جهود الأمن الإقليمي، والتمسك باستقلال القرار الوطني في القضايا السيادية.
وبين الدعوة إلى توحيد الجهود لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، والتأكيد على رفض اختزال دورها في ملف الهجرة، تقدم نواكشوط نفسها شريكاً في صناعة الاستقرار الإقليمي، مع التأكيد في الوقت ذاته أن أي تعاون دولي يظل مرهوناً باحترام سيادة الدول ومصالحها الوطنية، وباعتماد مقاربة شاملة تربط الأمن بالتنمية وبالحوكمة والتكامل الإقليمي.
ثلاثاء, 21/07/2026 - 12:23