مسلسلات رمضانية تائهة

تابعنا في شهر رمضان الماضي باقة من المسلسلات الموريتانية,التي أثارت ضجيج لدى المجتمع الموريتاني,حيث لا تمكن مشاهدة هذه المسلسلات لكثرة اختلاط أهلها ووقوعهم في قصص الحب و المغازلة,حيث لا يخلوا مشهد من المسلسل بدون كلمات شاردة.و كان من المفترض قبل أن نفكر في إخراج مسلسل و تصويره أن نبحث عن طرق نجعل الجميع يمكن أن يشترك في مشاهدتها,صبيانا و شيوخا,أو نضع عليها علامة 18+و تطل علينا التلفزة الموريتانية هذا رمضان بباقة من المسلسلات الشبابية تعالج و تغوص في اصطدام الحضارات و الانحلال الأخلاقي,و قصص جامعة نواكشوط المملة, و الشجار على القطع الأرضية و سيطرة النفوذ و الوساطة و المال, و المتاجرة بالمخدرات و الوقوع في قصص الحب و المغازلة,و تبث هذه المسلسلات في شهر رمضان المبارك يوميا.صحيح نحن نعيش في بلد صغير له أخطاء كثيرة و عادات مخلة لكن تحتاج إلى التفكير العميق و المقارنة بين الأمس و اليوم,تحتاج إلى أشخاص لديهم تجربة من ميلاد المجتمع الموريتاني إلى يومنا هذا,و لا يمكن معالجة العادات الطارئة بسرعة أو بهذه الطريقة,عندما نبث في أول حلقاتنا تعاطي المخدرات هذا يعني أن تعاطي المخدرات هي الموضة اليوم,و هي الطريق الأفضل للهروب من شبح البطالة و الحزن و التفكير,و هي الضياع بعينه و هي الموت بذاتها.

 

 ماذا استفدنا نحن من صراع العقارات و بيع و شراء المخدرات و استئجار السيارات لنبثه سوى أن أننا خسرنا جيلا,و ماذا استفدنا من ارتباطات جامعة نواكشوط و قصصها المملة و مراجعة الشاب للفتاة لنبثه, وماذا استفدنا من  نفوذ الوزير و رشوة الحاكم لنبثه, و هل حقا نجحت قصة حب موريتانية تستحق أن تبث,الدراما الموريتانية التي بدأت ترى النور,كالبث التجريبي,تحتاج إلى الكثير من النضج و الفكر و الإبداع و التنسيق,دعنا من الخيال و من المجاملة,ما نشاهده لا يرقى ليبحث كمسلسل يومي,رداءة في الصوت و الصورة,و طريقة تحريك الكاميرا و التنسيق بين النص و الحركة يجب أن لا يشعر المتابع بأن الصورة تغيرت بالفعل كما لا يجب أن يفقد سماع الصوت في بعض المشاهد,فكان من أوجب أن تكون كل المشاهد متناسقة و محبوكة و على المستوى,فالطريقة التي تبث بها التلفزة الموريتانية المسلسلات الرمضانية تحتاج إلى إعادة التركيب و التنسيق و الإخراج,و على أصحاب المسلسلات أن يتعلموا صناعة المسلسلات و الدراما قبل أن يجربوا.

 

تجربة الدراما في موريتانيا تجربة مستعجلة,فبلد لم يعترف بعد بالمسرح و بالفن السابع و لا يزال يحرم على المرأة التمثيل و الظهور أمام الكاميرا صعب جدا أن يتقبل بين عشية و ضحاها مسلسلات كهذه,فالمجتمع الموريتاني مجتمع محافظ يحرم على المرأة ممارسة الكثير من المهن التي تمارس المرأة العربية و المرأة ككل,رسائل الكثيرة كان بإمكاننا تمريرها و توصيلها عن طريق هذه المسلسلات لو وضعناها في إطار ديني يصلح لزمان و المكان,فمن يتابع هذه المسلسلات يخطر في باله أنه يجلس في مناسبة لكثرة الصخب التي تحتويه و أغاني و الرقص,وذلك ناتج عن عدم الإتقان في إدخال الموسيقى على المشهد المعين,و كثيرا ما تستخدم موسيقى حزن و رقص.

ظاهرة ظهور المرأة الموريتانية أمام الكاميرا ظاهرة طارئة و مفاجئة فمنذ متى أصبح الموريتانيين يسمحون لبناتهم بالظهور على الشاشة فالحديث عن الواقع يلزمنا بالكثير فليس بإمكان كل من أشترى كاميرا أن يتحدث عن الواقع,فالواقع مرآة و ما نشاهد من الظواهر المشينة كتفسخ و الانحلال و ما نشاهده على قارعة شارع عزيز و غيره من أمور تعصف بالبلد و العباد تحتاج إلى عقول كبيرة تتقبل النقد و النقاش و ليست عقول عصيبة.

 

يحصد الجفاف أرواح الآلاف من الغنم و الإبل و البقر كل سنة,وذلك حين ما تجف الأرض و تنقطع السبل برعاة و لا تجد الغنم و لا الإبل و لا البقر ما تأكله أو تشربه,فتخسر موريتانيا اقتصادها الرعوي و تكون الهجرة من الريف إلى المدينة هي الأقرب إلى الأذهان,فينهار اقتصاد موريتانيا الرعوي,ولا تحتوي الأرياف على أبسط مقومات الحياة حيث تنعدم المياه و الصحة و التعليم فيجبر الحر و الجفاف سكان الأرياف إلى الهجرة إلى المدينة,فصراع الإنسان مع الجفاف منذ الأزل رغم وجود الدولة و هذا ما جاء في احد هذه المسلسلات الذي يغوص في حياة البدو و مأساتها و الرغبة في الهجرة و التمسك بالماضي.

و تبقى برمجة الأدوار و اختيار الممثلين و التنسيق بين الحركة و النص غائبة عن أذهان الموريتانيين,حيث يجرب كل حظه في الإخراج,و تعتمد المسلسلات أساسا على تماشي الحركة و النص و حركة الكاميرا و هذا ما تعاني منه الدراما الموريتانية التجريبية.

 

قبل أن نحاول صناعة مسلسلات خاوية المعنى و ضعيفة المستوى علينا أن نكون نقبل النقد و النقاش,فلا يكمل عمل دون نقد و نقاش و تبادل الأفكار و لكل وجهة نظره الخاصة,لست مجبرا على أن أقول أن هذه التجربة ناجحة جدا و أن المسلسلات ترقى للمستوى,و نحن جميعا ندرك أن الدراما في موريتانيا حبر على ورق,و أحلام مسطرة بالخيال أما بخصوص كتاباتي, فأنا كتبت قبل أن تولد فكرة منت الناس التي ستجرنا إلى قلوب و جيوب,و قبل أن يلتقي المخرج و الممثلين و قبل أن يتعرفا #ومع #بذلك #شاهد و #دليل. 

و تبقى الدراما الموريتانية عالقة بين مجتمع محافظ يرفض وجود الدراما و رغبة أصحابها في مواصلة صراع العاطفة و المال و النفوذ و الوساطة,خالية من الإرشاد و النصوحة و التوعية,و بما أن هذه هي المحاولة الثانية لإنجاح دراما الموريتانية حاولت أن تعالج الكثير من الواقع اليومي رغم الصعاب فأنني شخصيا أثمن هذه الخطوة و أشجع أصحابها رغم عدم قبولهم لنقد.

 

الكاتب:حمودي ولد حمادي " كاتب موريتاني"

[email protected]

 

أربعاء, 02/07/2014 - 08:36

          ​