تسجيل موقـف.. المفاوضات الموريتانية الأوروبية بشأن الصيد

إن القضايا الوطنية الكبرى لها أن تحتل جزءا من قلوبنا و عقولنا، و أن تكون مرتعا خصبا لأرواحنا، و غذاء رغدا لأفكارنا و آرائنا و نقاشاتنا، و أن تستحق علينا الإشادة و الذكر و التنويه... هذا إذا كانت الوطنية تحتل جزءا و لو يسيرا في بواطننا أو على الأقل ما دمنا ندعي الانتساب لهذا البلد موريتانيا..

من هذا المنطلق، وجدت في نفسي اندفاعا لا متناهيا إلى الكتابة عن قضية من أعظم و أشرف و أنبل القضايا الوطنية و إلى اتخاذ موقف يتناسب طرديا مع شرفها و مكانتها و تعاظم قيمتها مرة بعد مرة.

و رغم أني ما كنت يوما من المسهبين في الكتابة حرصا على مداد قلمي أن يسيل إلى التزلف لأحد أو يفهم ذلك خطأ، إلا أنني اليوم أجد الواجب الوطني يدفعني دفعا لاتخاذ موقف يرضي ضميري تجاه قضية تستحق علي و على كل مواطن موريتاني الإشادة بها، ألا و هي نتيجة اتفاقيات الصيد المترتبة على المفاوضات الموريتانية الأوروبية منذ عام 2012 و حتى هذه الأيام.

فالشواطئ الموريتانية الأغنى عالميا بالأسماك و تنوعها ووفرتها ظلت منذ ما قبل الاستقلال و حتى منتصف عام 2012 نهبا و سلبا و فسادا لا مثيل له في العالم. و أعتقد أنه يمكننا الجزم أن اتفاقية الصيد الموقعة بتاريخ 31 يوليو 2012 في نواكشوط كانت حدا فاصلا بين صيد منهوب مسلوب في دولة كأنها لا وجود لها أو لا يشعر أبناءها بالإنتماء، و بين صيد وطني بكل ما في الكلمة من معنى له مردودية اقتصادية و سياسية و اجتماعية كبرى في دولة لها وجود حاضر و حضور موجود، و لها أبناء بررة حريصون على أن يبقى لهذا الشعب وطن يزخر بالخيرات و يفاخر بلدان العالم بأبناءه و بما أنجزوه.

إن من يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الفردية الآنية لجدير بالتقدير و الاحترام و المودة.

فباسمي و نيابة عن وطني، أتقدم بالشكر الجزيل الذي يحمل في طياته كل التقدير و المودة و الاحترام إلى كبير المفاوضين السيد الشيخ ولد أحمد ولد بايه على نجاحه في أصعب مفاوضات عرفتها موريتانيا و أشدها تعقيدا، و من خلاله إلى رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز الذي فرض هذا التوجه و أراد لموريتانيا أن تكون بلدا شامخا و دولة ذات سيادة و ندّا لأعظم الدول و أعظم الاتحادات في العالم.

إن مفاوضات الاتحاد الأوربي مع موريتانيا هي أصعب مفاوضات فرضتها التفاهمات الإقتصادية بالنسبة لنا، و من أصعبها -على الأقل- بالنسبة لهم. فكل دولة من هذه الدول الثمانية و العشرين لها شأنها و قوتها و مكانتها،و كل دولة منها أقوى منا في العالم و ربما كان بعضها أقوى منا في بلدنا.

فمفاوضة دولة مثل موريتانيا لعملاق من حجم الإتحاد الأوربي و فرض شروطها عليه من الصعوبة بمكان ما لم تكن هناك إرادة صادقة لدى السلطات العليا و وجود شخص يتمتع بالأهلية الكاملة للتفاوض، يفيض قلبه بالوطنية و بحرصه على خيرات بلده و مصلحة شعبه. فشكرا مرة أخرى للرئيس محمد ولد عبد العزيز على اختيار الرجل المناسب في مفاوضات تتطلب من الدراية و الحنكة و المهنية و الذكاء و الاحتراف و المرونة و الصلابة و الوفاء و الوطنية الشيء الكبير.

و مما يحز في نفسي أن نرى بعض نخبنا يسعى بكل ما أوتي من قوة في محاولات يائسة إلى النيل من عظم هذه المفاوضات الجديدة و إلى النيل من القائمين عليها.

و أورد في هذه النقطة مقتطفا من حديث كبير المفاوضين الموريتانيين في مقابلة أجرتها معه أسبوعية " لاتريبين" الناطقة بالفرنسية كما أوردها بعض المواقع الألكترونية مترجمة، يقول من رد له عن أحد الأسئلة:

( نعم، إن أصحاب النوايا السيئة يحاولون دائما زعزعة من يرونه محورا لعملية يريدون نسفها، فهؤلاء يرون في شخصي قطيعة نهائية مع الممارسات السابقة، ناسين أن فريق التفاوض الذي أقوده لديه وجهة نظر فنية مدعومة بالإرادة السياسية الوطنية، و من هنا لا يهم من يقود فريقنا. فانشغالاتنا هي بخصوص حماية الثروة و إنشاء تجارة متوازنة منصفة تتلقى في الغالب دعم أكثر النخب الأوروبية لجهودنا و تفهمها لقراراتنا، ذلك أن النخبة هناك تعلم جيدا أن انهيار منطقة الصيد عندنا له انعكاسات سلبية علينا، لكنها سلبية على أوربا أيضا. إن دفاع هؤلاء النخب الأوروبية عن مصالح موريتانيا يعوض كل أعمال التخريب التي يقوم بها بعض مواطنينا داخل بلدنا.

و بالمناسبة، فإن الإرادة السياسية الحقيقية و الجادة للرئيس محمد ولد عبد العزيز مكنت موريتانيا من استجلاب مفاوضين مهنيين يستندون إلى معطيات علمية دامغة و يتم التعاطي معهم على قدم المساواة مع شركائهم الأوروبيين. الجديد هنا أساسا هو أننا نعمل من أجل المصالح العامة للبلد و دون أي تدخل من جهات سياسية للتشويش على عملية التفاوض...). انتهى الإستشهاد.

و أنا هنا – أو الآن على الأقل- لست بصدد دراسة تخصصية، أو علمية تحليلية لأن المعلومات متوفرة بما فيه الكفاية و منشورة داخليا و خارجيا. لذلك فإنني آثرت العدول عن نشر المقارنات و المعلومات و الأرقام حتى لا أنشر ما هو منشور أصلا، و تجنبا للتطويل.                                               و أعتقد أن في مقابلة "لاتريبين" مع كبير المفاوضين ما فيه الكفاية من الإحصائيات و المقارنات و الأرقام، و كذلك في رده العلمي على مقال نشره أحد "النخب الموريتانية".

و أرى أنه من الإنصاف أن يحذو حذوي بعض نخبنا المعتدلين ذوي الأقلام النظيفة و الأفكار الطاهرة في تسجيل مواقفهم من هذه القضية و مثيلاتها من القضايا الوطنية الكبرى.

إذن فإنا هنا بصدد تسجيل موقفي من قضية جدّ فيها جديد.

جديد له ما يوازيه و له ما بعده.

جديد يحرك الشعور الوطني في باطن من يشعر بالإنتماء ليسعى إلى إرضاء الضمير و لو بأقل قليل: (تسجيل موقف)

 

محمد الأمجد ولد محمد

أربعاء, 13/08/2014 - 07:57

          ​