استراحة / محمد محمود إسلم عبد الله

فجأة عاد الدفء للعائلات ، تذكر الجميع أن لهم أهلا وإخوة وأحبة ، ولربما خصوما وأعداء أيضا في عالم الواقع، ارتفعت الأصوات بالجدال والمشاحنات ، تلاقت العيون ، وانبهر البعض بمستجدات الغضون التي علت بعض النواصي ، ووميض الشيب أعلى الرؤوس.

تحرر الجميع نسبيا من أسر هواتفهم ولو إلى حين ، البعض يخفي امتعاضه ، والبعض الآخر يبوح صراحة متأففا نكدا بهذا الظرف الطارئ الذي لا مناص منه ولا بد ، ويتساءل متى الخلاص؟.

تقطعت أواصر كانت عراها شبه وثيقة ، وضاعت مراسلات ، ومواعيد ، وأعمال ، وتسوق ، وحلقات نقاش ، والكثير من الإسفاف والسفسطة ، توقف كل ذلك إلى حين.

لقد غرقنا جميعا –إلا من رحم ربي وقليل ماهم-  حتى أعلى شعرة في مفرق الرأس في وحل وسائط التواصل الاجتماعي ،  نتنفسها أوكسجينا ، نأخذ منها كل شيء ، الأخبار والمعرفة والأغراض والأفكار ، ولربما المعتقدات في بعض الأحيان.

إنها غول هائل يبتلعنا ، يلتهم أخص خصوصياتنا ، ويتدخل في نمط عيشنا وتفكيرنا ، وهي مع كل ذلك نفق مظلم من الأسرار السوداء والجاسوسية العالمية والقرصنة والخداع والغش ، لكن أين المفر؟

حدثني أحدهم ذات مرة قائلا أتدري أني أتابع أخص خصوصيات الكثير من أقاربي عن طريق صفحاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي؟ ، سألته مستغربا هل أنت قرصان؟ رد ببرودة أعصاب ولماذا القرصنة؟ إنهم ينشرون كل شيء علنا بدء بالوجبات واللبس والنزهات وانتهاء بأخص الخصوصيات ، وما في خلجات الصدور.

قد يقول قائل إن هذه الوسائط بنت جسورا وقربت مسافات وعمرت بيوتا ونوادي ،  ولكنها مع ذلك خربت الكثير ، وجلبت مشاكل تبدأ من العزلة الاجتماعية ولا تنتهي عند الاكتئاب وقلة الإنتاجية وضعف التركيز ومختلف العوارض الصحية ، فضلا عن الاحتيال و و و .

في مجتمعنا حديث العهد بالبداوة ، المفتوح أمام كل المستجدات ، المنبهر دوما بالوافد من الأنماط والأنساق تبدو هذه الوسائط خطرا محدقا ، يبدأ من القذف لينتهي بالتشهير والابتزاز ، فضلا عن الاستلاب والخواء الروحي والفكري.

ربما لست أفضل من يعطي دروسا في هذا المجال لكن أليس من المناسب استغلال اللحظة الآنية  للتفكير في بعض الوقت الذي تنتزعه منا هذه الوسائط عنوة؟ لتغيير نمط سلوكنا والتحكم بوقتنا بشكل أفضل؟

لا أحد يمكن أن يدعو لمقاطعة هذه الوسائط لأنها داء العصر ومن أبرز إكراهاته ، لكن لننتبه لأنفسنا وللمحيطين بنا فهم أولى باهتمامنا من المتحدقين عن بعد حول الشاشات الرمادية.

مهلا اعذروني عادت بعض هذه الوسائط اللعينة للعمل

وأنا أيضا مرتبط ببعضها للضرورة

مكره اخاك لا بطل.

ثلاثاء, 05/10/2021 - 13:22

          ​